لاوعي الغنّوشي وصَمَمُ سعيّد...

 

في رواية «دون كيشوت » حارب فارس الظلّ الحزين طواحين الهواء، ظانّا أنّها وحوش وشياطين عملاقة تبذر الشرّ من حولها. وفي تونس اليوم، أمعن «فرسان » السياسة في نثر أوهام متورّمة. هذا يُهدّدُ ذاك، دون وعي بأنّ حركة التاريخ لا تعود إلى الوراء... قال راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة متوعّدا خصمه اللدود إنّ «البرلمان عائد بإذن الله أحبّ من أحبّ وكره من كره ». وأضاف حرفيّا أنّ «البرلمان هو السلطة التأسيسيّة التي أنجزت إنجازات كبيرة. أنجزت الدستور، وأنجزت قوانين اجتماعيّة مهمّة منها القانون 38 ومنها قانون التمويل التشاركي ومنها القانون الذي يؤسّس لحقوق الخَدَمة والخادمات. فهذا البرلمان إنجازاته كبيرة، رغم كلّ التشويش لتشويهه، واعترف بعض أعداء الثورة بأنّهم عملوا على تشويه الصورة حتّى يُقدّم ذلك تبريرا للانقلاب. البرلمان عائد، إن شاء الله، أحبّ من أحبّ وكره من كره بإذن الله .» جاء هذا التصريح ضمن فيديو جاب الصفحات التونسيّة في موقع «فيسبوك » طولا وعرضًا، سواء للتهليل والتعظيم أو للاستهزاء والتندّر. بدا الغنوشي يومها منهكًا، بمناسبة إشرافه في نهاية الأسبوع المنقضي على اجتماع مع أعضاء المكاتب المحليّة لحركة النهضة بولاية بنزرت. أجاب بعُسرٍ على سؤال مبطّن، دعاه صاحبه إلى توجيه «رسالة إلى أنصار الديمقراطيّة في تونس » بصفته «الشيخ » و »رئيس مجلس النوّاب .» اجترار الوهم يبدو أنّه لا أحد مازال يعتقد باحتمال عودة البرلمان السابق إلّ قلّة قليلة، معظمها من أتباع حركة النهضة وحلفائهم أو مموّليهم. فبصرف النظر عن مدى انتهاك قرارات 25 جويليّة لمنطوق الفصل 80 من الدستور الذي يُقرّ ببقاء البرلمان في حالة انعقاد دائم زمن التدابير الاستثنائيّة، فإنّ مجلس نوّاب الشعب بتركيبته الحاليّة قد أمسى في حكم الماضي البعيد المنال، وإن كان الرئيس قيس سعيّد قد أعلن فقط عن تجميد أعماله وعضويّة رئيسه ونوّابه، ولكنّه في الآن ذاته أقرّ مرارا وتكرارا بأنّه لا مجال لعودته واستئناف نشاطه. مناورات سياسيّة من هذا الجانب وذاك يختلط فيها الوضوح بمنتهى الغموض. فالبرلمان الحالي من المستبعد جدّا إن لم يكن من شبه المحال أن يعود، غير أنّ لا أحد يعلم كنه الخطوات والمحطات السياسيّة القادمة، وربّما بما في ذلك رئيس الجمهوريّة ذاته. لماذا يُقْدم الغنوشي إذن على تأكيد حصول ما هو في مقام المحال، وهو نفسه الأكثر إدراكا لدلالات أفعال التمنّي ومعاني المستحيل، ولاسيما أنّه سبق أن استبعد خضوع قيس سعيّد للضغوط المحليّة أو الدوليّة؟! النائب «السابق » منجي الرحوي الذي قرّر، فور الإعلان عن قرارات الخامس والعشرين من جويلية وإلى حدّ الآن، المساندة التامّة لتوجّهات الرئيس قيس سعيّد، أجاب بدوره الغنوشي بمعارضة نثريّة بإضافة حرف واحد، مزهوّا بقوله: «البرلمان لن يعود أحبّ من أحبّ وكره من كره... انسى... ». وقد يُنبئ ذلك بموقف مماثل لمعظم التونسيّين، دون اعتبار أهواء الإسلاميّين منهم. فالماضي ولّ وفات دون رجعة محتملة. وهو ما عبّ عنه آلاف التونسيّين الذين طافوا مدن البلاد، ليلة 25 جويلية 2021 ، ابتهاجا بقرارات رئيس الجمهوريّة لأنّها أزاحت عن صدورهم همّا ثقيلا، لا عشقا لقيس سعيّد في حدّ ذاته. فقد امتصت الغضب العارم الذي كان يضطرم في أنفس التونسيّين إزاء المنظومة السياسيّة لما قبل 25 جويليّة. تهديد مبطّن! في أيّ إطار إذن نُدرج خطاب زعيم حركة النهضة بشأن تأكيده على عودة البرلمان مستقبلا؟ هل هو مجرّد محاولة لحشد الأنصار ومداواة الجراح، بعد الصدمة القاصمة لقرارات 25 جويلية وما تلاها بالخصوص من إجراءات استبعادهم من أجهزة وزارة الداخليّة وتهميش أدوارهم على صعيد الجماعات المحليّة، وما خلّفه ذلك من حالة تآكل تكبّدها الحزب والتنظيم؟ في المقابل، هل يقتصر الأمر على مجرّد خديعة وترويج للوهم، مثلما يردّدُ بعض حلفاء الأمس وصيّادي المواقع وخصوم اليوم المتلوّنين؟. لا ريب طبعا أنّ البرلمان سيعود يوما ما، بمقتضى انتخابات تشريعيّة قد لا يرتضي إجراءها رئيس الجمهوريّة الحالي الذي لن يمكث بقصر قرطاج أبد الدهر مثل سابقيه ولاحقيه. وما يُردّد اليوم عن احتمال إرساء «نظام حكم مجالسي » أو «جماهيري » أو «قاعدي » سيلفظه التاريخ، في حال أصرّ الرئيس سعيّد على فرضه، مثلما اندثر سابقا في مجتمعات أخرى تفتقد أدنى ثقافة ديمقراطيّة. فالانتخابات العامّة النزيهة لا تزال تُشكّل أداة النظام السياسي الأقلّ سوءا على مرّ التاريخ. لا نتصوّر إذن أنّ الغنوشي من السذاجة أن يقصد هذا المعنى المطلق لعودة البرلمان، ففي ذلك «استبلاه » مستبعد لمريديه المطيعين. وبما أنّه مدرك لشبه استحالة عودة مجلس نوّاب الشعب برئاسته وتركيبته السابقة، فإنّ بيت القصيد يكمن في استهداف خطابه لغريمه المباشر الممثل بالرئيس قيس سعيّد. هكذا يبدو إذن أنّ رئيس الدولة هو المستهدف بهذه الرسالة لا «أنصار الديمقراطيّة » المزعومين. والمقصود بذلك أنّ كلام الغنوشي يُشكّل تحدّيًا مباشرا لقيس سعيّد، بل وقد يرتقي إلى حدّ تهديد مبطّن له. فهل يأتي كلّ ذلك من فراغ، أم أنّه يُنبئ بتطوّر حركي مرحلي بعد فترة من محاولات المهادنة والاسترضاء التي لم يُلق لها سعيّد بالا؟ في كلّ الأحوال يبدو أنّ خطاب الغنوشي يحمل في طيّاته رسالة غليظة مضمونة الوصول إلى سعيّد، وربمّا يُعدّ أجواء الحركة للاستعداد للمرحلة العسيرة المقبلة. ومع ذلك قلّة قليلة من أوثق المقرّبين إلى زعيم الحركة تدرك مقاصده الدقيقة ومن يقف وراء ما يرمي إليه. ومن غير المستبعد أيضا أنّ لمخطّطات المحور الخارجي الحليف دوره في هذا التوجّه الجديد، والمقصود بذلك المخطّطات المحتملة للمحور القطري التركي. وتكفي الإشارة هنا إلى الانتقادات اللاذعة التي وجّهتها شخصيّات نافذة في دوائر الحكم في قطر إلى راشد الغنوشي بشأن سوء إدارته للأزمة السياسيّة خلال فترة ما قبل 25 جويلية. أخطاء مكرّرة من المعلوم أنّ حركة النهضّة كانت تتوقّع أن يكون قيس سعيّد نسخة أخرى معدّلة من منصف المرزوقي الذي جرى في ركابها والتزم بتنفيذ إملاءاتها وفعل كلّ شيء لترضى عنه. ومع ذلك فإنّ حركة النهضة نفضته ولفظته في أكثر من مناسبة، ربّما وعيًا منها بأنّه أمسى ورقة سياسيّة محترقة ولم يعد له من وزن حزبي أو انتخابي، رغم كلّ ما يدّعيه اليوم من بطولة زائفة وزعامة هشّة، لا تُؤجّجها سوى رغبته المحمومة في العودة ولو قصرًا إلى كرسي قرطاج الذي ظنّ من خلفه أنّه قدَرهم. أثبت الرئيس سعيّد إذن، وهو المزهو بشرعيّته الانتخابيّة الواسعة جدّا، أنّه ليس من طينة المرزوقي. فقد أبدى رفضا واضحا لرغبة حركة النهضة في أن يكون مجرّد تابع لأجندات حزبيّة محليّة أو لقوى إقليميّة ذات أنظمة ريعيّة لا علاقة لها تُذكر بالديمقراطيّة ولا همّ لها إلّ تحقيق مصالحها، على غرار المحور القطري التركي أو المحور السعودي الإماراتي. ومن هنا يتأتّى خطأ قيادات حركة النهضة القاتل التي اعتقدت أنّ إحكام تفصيل نصّ الدستور والهيمنة على دواليب الدولة واختراق أجهزة الحكم سيقيها شرّ السقوط المدوّي غير المحتمل. وما هو في منتهى الوضوح اليوم أنّ سعيّد لم يفاجئ حركة النهضة فحسب، بل فاجأ الجميع. منعرج 25 جويلية بكلّ علاته لم يكن موجّها فقط ضدّ حركة النهضة وحلفائها، بقدر ما هو انتصار للطموحات الشخصيّة للرئيس سعيّد نفسه ولنظرته الخصوصيّة إلى الحكم. ومن ثمّة فإنّ حالة العسر الشديد المتوالد التي تشهدها تونس اليوم، في ظلّ إصرار رئيس الجمهوريّة على إقصاء كافّة الفاعلين السياسيّين مقابل الانفراد بكلّ السلطات والصلاحيّات ومن دون أدنى رقيب على خلاف ما تقتضيه الأنظمة الديمقراطيّة، تُعدّ نتاجًا لفشل المنظومة السياسيّة السابقة برمّتها وبلا استثناء. فالبلاد لا تزال تراوح مكانها الذي نحته لها نخب الأمس، لتضيع فرص الإنقاذ الواحدة تلو الأخرى... في هذا المضمار، أصاب الأمين العام السابق لاتحاد الشغل حسين العباسي، بتصريحه في حوار إذاعي مؤخرا، أنّ ما أقدم عليه رئيس الدولة يوم 25 جويلية «أراحنا من البرلمان الذي رذّل الحياة السياسيّة والحزبيّة ،» غير أنّه «خاب ظنّي عندما لم يقم الرئيس قيس سعيد بالدعوة إلى حوار لإضفاء مزيد من المشروعيّة على قراراته »، فهل بات رئيس الجمهوريّة لا يُنصت إلّ إلى صدى صوته المكرّر؟!. لا يخفى طبعا أنّ الاستمرار غير المبرّر للخطاب الرئاسي الشعبوي قد أصاب الكثيرين بخيبة أمل من شأنها أن تُعمّق مع الوقت حالة الملل والسأم العام. وفي المحصّلة قد تؤدّي إلى ارتكاب أخطاء جسيمة قد تؤجّج التحرّكات الاحتجاجيّة، على غرار تصريحات الرئيس سعيّد بشأن التراجع عن التزامات الدولة بتنفيذ مقتضيات القانون ع 38 دد المتعلّق بتشغيل من أنهكتهم بطالتهم الطويلة. فلئن سعى زعيم حركة النهضة إلى توظيف هذا الخطأ شعبيّا، فإنّه ليس هو من ختم القانون المصادق عليه وأذن بنشره في الرائد الرسمي بل قيس سعيّد بصفته رئيس الجمهوريّة، فكيف يأتي اليوم لينقلب على ذلك القانون مهما كانت مساوئه وصعوبات تفعيله؟!. في ضوء هذا التذبذب العميق، لم يكن غريبًا أن يتعرّض رئيس الدولة لانتقادات حلفائه قبل خصومه، باعتبار أنّه قد شملهم هم أيضا بمسؤوليّة ترذيل مبادراتهم التشريعيّة، فألّب عليه جانبا من مسانديه وأنصاره. وها هو المؤرّخ التونسي لطفي عيسى لا يتردّد في وصف الرئيس قيس سعيّد بأنّه الشخصيّة الأشبه بمحامي الثورة الفرنسيّة «روبيسبيير » الذي تنكّر لرفاقه، فقاد من انتقده منهم إلى المقصلة بعد هيمنته على زمام الحكم. ولئن وجب تجنّب أخذ هذا التشبيه بمعناه الحرفي، فإنه ينبغي كذلك النظر إلى رمزيّته، باعتباره يُدلّل على الانعكاسات الخطيرة المحتملة لضيق الأفق السياسي ولجوائح ادّعاء امتلاك الحقيقة والاعتداد المتضخّم بالنفس، ممّا سبق أن أطاح بحركة النهضة وحلفائها قبل أشهر. وقد تؤدّي حقيقة الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي البائس إلى المصير نفسه لرأس الحكم، سواء جرّاء إكراهات الواقع أو بتفعيل تهديدات الخصوم...



إرسال تعليق

أحدث أقدم
تصميم وتطوير - دروس تيك