اليوم لا نذيع سرّا إذا قلنا إن تونس تسير بخطى حثيثة نحو الهامش وعلى قارعة المجهول. فكلّ المؤشرات توحي بأنّ الوضع الحالي لا يبشّ بأيّ خير وبأن القادم سيكون أسوأ وينبئ حتما بما هو أخطر. فالواقفون على خطّ الجوع كثر واللاحقون أكثر وطبول الفزع والهلع تدقّ وتصرخ ولا من مجيب... وكلّ الخوف أن يسقط السقف على رؤوس الجميع فلا يستثني منا أحدا الأخيار قبل الأشرار. للخوف ما يبرّره وللذعر الذي ينتاب بعض العقلاء ما يدعمه. فالتقارير الصادمة تتوالى والتقييمات المفزعة تتالى وحال البلاد قبل العباد من سيّ الى أسواء حتى أنّنا بتنا ننافس الدول المهمّشة والفقيرة على الزعامة وعلى قيادة ركب البؤس والتخلّف. آخر التقارير التي صدرت مؤخرا عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة ال”فاو” تضع تونس في المرتبة 23 عالميا من حيث مؤشّ الجوع العالمي. التقرير ذاته يفيد بأن نسبة الجوع في تونس بلغت حسب بيانات المعهد الدولي للدراسات في مجال السياسة الغذائية 7.9 بالمائة أيّ أن ما يقارب مليون تونسي «جواعة ». التقرير اعتبر ظاهرة الجوع «التونسي » مرتبطة أساسا بعوامل اقتصادية على علاقة بتدني خدمات التحويل الغذائي والاجتماعي أو بالدعم مضيفا أن نسبة الفقر المتعدد الأبعاد في البلاد تصل الى 29 بالمائة أيّ أكثر من ربع سكّان البلاد وبلغة الملايين يلامس العدد سقف الثلاثة ملايين وهو رقم مفزع ومرعب لكن أغلبهم لا يشعرون . انسجاما مع بيانات التقرير تشير أرقام المرصد التونسي للاقتصاد كذلك الى أن 3 ملايين أسرة تونسية تعیش في حالة من الھشاشة الاجتماعية والاقتصادية في ظل وجود ملیون و 300 ألف تونسی من بينهم أطفال يعانون من سوء التغذية إلى جانب وجود مشاكل في نوعیة الأغذية فضلا عن معاناة ملیون و 900 ألف تونسي من صعوبة الحصول على الغذاء بطريقة عادية. هذه الأرقام لا تعود الى القرن الماضي أو الى الذي سبقه بل نحن للأسف نستعرض الخطّ البياني لتطوّر مستوى المعيشة في تونس ونحن على أبواب 2022 . نعم قرابة 10 في المائة من السكان «جواعة .» في عهد الديمقراطيات المتكالبة والمتناحرة والحريات العالقة والثورات المتعاقبة يجوع عشر سكان تونس ويصومون العام بطوله ليشبع البقيّة بالشعارات والحوارات وبموائد الافطار الرسمية والصورية داخل القاعات المكيفة وعلى تخوم المقرّات الحزبية. صحيح أنّ التقرير لا يتحدّث فقط عن تونس. فالعالم العربي يكاد يعرف نفس المصير وتتشابه الأحداث والأرقام بداخله. والجوع بات عملة توّحد الشعوب العربية. فالتقرير الذي ورد تحت عنوان “نظرة إقليمية عامة حول حالة الأمن الغذائي والتغذية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2021 ” يؤكّد أن عدد الجياع في المنطقة العربية بلغ 69 مليون شخص خلال عام 2020 . وزيادة حالات الجوع بالمنطقة بلغت نسبة 91.1 في المائة منذ عام 2000 . ويرجع التقرير هذه الوضعية الى تفاقم الأزمات الممتدة والاضطرابات الاجتماعية والتعرّض لصدمات وضغوط متعددة إلى جانب تغيّ المناخ وندرة الموارد الطبيعية والتداعيات الاقتصادية المرتبطة بجائحة كورونا. وما يقرب من ثلث سكان المنطقة العربية، أي 141 مليون شخص، عانوا من انعدام الأمن الغذائي خلال عام 2020 ، أي بزيادة قدرها 10 ملايين عن العام الذي سبقه. التقرير فسّ الظاهرة وربطها بعدة أسباب أخرى مترابطة ومتعددة منها سوء التغذية في المنطقة العربية لذلك دعا الى ضرورة إحداث تغييرات عميقة في منظومات الأغذية الزراعية بالمنطقة العربية من أجل ضمان توفير الأمن الغذائي والتغذية لشعوبها، مبرزا أن نسبة الجوع بالعالم العربي في ارتفاع مستمر. وإذا كانت الأرقام والمؤشرات التي أتى عليها التقرير صادقة وصادمة ودقيقة وتصف الوضع العربي مثلما هو عليه فإنّ ذلك لا يعني الاستسلام لهذا الواقع والاعتراف والتسليم به كحقيقة تضمّ الجميع. فالنموذج التونسي يختلف عن سابقيه ولا يمثّل بأيّ شكل من الأشكال حقيقة الواقع العربي الذي يصورونه واحدا. فتونس لم تكن معنية في السابق بهذه التقييمات والتصنيفات و »التوانسة » لم يكونوا يوما «جواعة » مثلما هم عليه الآن وحتى إن جاعوا فليس بهذه الشاكلة وليس بهذه الطريقة المهينة. قد نتفّهم أسباب اتساع رقعة الجوع في الخريطة العربية فبعض البلدان «الجائعة » عاشت سنوات طويلة تحت غطاء الحرب فتوقفت لديها عجلة التنمية الاقتصادية والبعض الآخر نهبته الأيادي الداخلية والخارجية وقوى الشرّ التي تنهب الخيرات ما ظهر منها وما بطن والبعض الآخر انشغل بترميم القلاع والممالك حتى شارفوا على المهالك. أما نحن فلا هذا ولا ذلك ولم نكن يوما كذلك لولا طلوع البدر الذي أفتى بجواز لعنتي وبقتالك. اليوم لا مناص من الاقرار بأننا ندفع جميعا فاتورة عشرية الدمار والخراب التي أطبقت على أنفاس البلاد منذ 2011 . عشرية الفساد والإفساد والتخريب والتنكيل بكل مكتسبات ومقومات الدولة والنتيجة ما نعاين ونعاني اليوم من تفقير وتجويع ممنهجين ومن معدلات بطالة قياسية ومن مؤشرات اقتصادية كارثية ومن انفلات أخلاقي غير مسبوق وانهيار للمبادئ وللقيم العامة. تونس تنزف والجرح غائر ويبدو أنه قد لا يطيب سريعا فالقطع مع تلك العشرية السوداء لم يؤّشر فعليا للشروع في مرحلة التعافي والانقاذ. والمشروع السياسي الجديد يبدو هو الآخر ماض في سياسة التجاهل والتغافل عن قوت وكرامة المواطن التونسي الذي لم يعد يجد من ينصفه أو يسمعه. وتواصل الحال على ما هي عليه مع تعاظم الشعور بالنقمة واليأس واستمرار حالة المدّ والجزر السياسي توحي كلها بأنّ الطوفان قادم وبأنه قد يأتي على الأخضر واليابس فالبطون الخاوية لا تخاف السقوط في الهاوية والجوع الكافر هو وقود النار الحامية... « حذاري من جوعي ومن غضبي فإن جعت آكل لحم مغتصبي
من إنجازات حركة النهضة وحلفائها طيلة عشرية الدمار : مليون تونسي «جواعة »
-تونس الاخبارية
•
0