بدأ انزلاق تونس الكبير نحو الانحدار الاقتصادي والمالي والاجتماعي منذ عام 2011 بعدما تلت إدارة صارمة وعقلانية للشأن العام إدارة اعتمدت على تخمينات تقريبية وربّما ذات نوايا سيئة. انساقت حكومة الجبالي لخيار كارثي لما يسمّى بسياسة «اذهب وتوقف »Go and stop« » والتي نصّت على فتح أبواب المالية العمومية بذريعة انعاش الدورة الاقتصادية ثم فرملة ذلك تجنّبا لحصول انزلاق وزيادة التضخّم. وكانت تلك بداية الاندحار. كان »Go« سهلا في حين كان هناك عجز عن تطبيق التوقف »Stop« . كان النموّ الاقتصادي الضئيل المسجل خلال عامي 2012 و 2013 كاذبا لأنه تأتّى حصريا من الترفيع في كتلة أجور الوظيفة العمومية : انتدابات كثيفة وزيادات في الأجور. لكن الكارثة الحقيقية وقعت بين عامي 2017 و 2019 . ثلاث سنوات من إدارة كارثية للاقتصاد والمالية العمومية التونسية قادت تونس نحو كارثة حقيقية وأغرقتها في وضعية اقتصادية ومالية معقّدة. مستوى تداين عمومي وخارجي غير مسبوق )تضاعف الدين العمومي في ثلاث سنوات(. علاقات صعبة بالمانحين وخصوصا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. صعوبات في العثور على الموارد خارجيا وداخليا لتمويل النفقات العمومية ودفع رواتب الوظيفة العمومية. وحتى على المستوى الثنائي تجد تونس صعوبة بل صعوبة كبيرة لتعبئة الموارد اللازّمة لقانون المالية التكميلي لعام 2021 . لم يكن «كبار » مهندسي هذه الكارثة سوى «الثلاثي » الذي ضمّ رئيس الحكومة ووزير المالية ومحافظ البنك المركزي الذين أشرفوا على إدارة شؤون البلد الاقتصادية والمالية خلال السنوات المذكورة. ضحّى هذا الثلاثي بمصالح تونس وبالاقتصاد وبالمالية العمومية وضحّوا بالتالي بتونس خدمة لمصالح شخصية. كان رئيس الحكومة مصمّما على أن يصبح بأي ثمن رئيسا للجمهورية. ولمّا كان في حاجة لدعم أو لتواطؤ أو حتى لمجاملة الاثنين الآخرين، فقد وعد وزير المالية بمنصب رئيس الحكومة ووعد محافظ البنك المركزي بالمحافظة على مركزه لما لا يقل عن ولاية كاملة بستّ سنوات مع عدم استبعاد إمكانية التجديد له. كان يتوجّب تبعا لذلك اطلاق وعود انتخابية من قبيل «خفض مستوى عجز الميزانية » الى أرقام تثبت نجاح الحكومة. ولما كانت دائرة الحسابات العمومية )ولا تزال( تعتمد حسابات نقدية كانت التجاوزات والتلاعب بالأرقام ممكنة. وهكذا لم تكن وزارة المالية تسجل في الواقع سوى النفقات التي أدت الى دفوعات فعلية. وقد أتاح ذلك نشر أرقام «صحيحة » عن عجز الميزانية والدين العمومي بعدما تم التخفيض فيها بشكل كبير. وتُرجم ذلك ب »تصدير » عجز الميزانية الحقيقي وجزء من ديون الدولة الى المؤسسات العمومية ممّا أدى في النهاية الى انفجار ديونها لدى البنوك التونسية. وكان كل ذلك يتم برضاء تام من البنك المركزي الذي سمح بل وشجع في بعض الحالات البنوك التونسية على الالتزام بشكل مفرط بالتعامل مع المؤسسات العمومية الى درجة تعريض قروضها للخطر. ولابدّ في هذا الصدد من القاء نظرة على تقرير صادر بداية هذا العام عن وكالة الترقيم السيادي «موديز » اذ يبدو أن البنك المركزي «نسي » استقلاليته المنصوص عليها في قانون عام 2016 ووضعها هذه المرة في خدمة رئيس الحكومة. بالنسبة للفترة المتبقية من هذا العام تتمّ تغطية نفقات الدولة باللجوء المكثف لطباعة الأوراق النقدية مع ما يترتب عن ذلك من عواقب وخيمة على كل التوازنات الاقتصادية والمالية في البلاد وعلى القدرة الشرائية للتونسيين وعلى قيمة الدينار في الداخل والخارج. نحن اليوم في السابع من ديسمبر ولا تزال تونس بلا ميزانية لعام 2022 . وفي الواقع لا تعرف السلطات العمومية شيئا عن الموارد التي ستموّل بها نفقات الدولة العادية بينما وصلت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي الى طريق مسدود. وفي ظل هذه الوضعية نشر البنك الأمريكي الكبير «بنك أمريكا مبريل لينش » تقريرا عن كارثة المالية العمومية بتونس يؤكد أن المرور ب »نادي باريس » سيصبح من الآن فصاعدا اجباريا. وهذا يلحق ضررا كبيرا بصورة تونس وسمعتها على الساحة الدولية. هذه هي الحالة التي وصلنا اليها اليوم بفضل «الجهود الحثيثة » التي بذلها صانعو الكارثة الذين وضعوا تونس في ورطة كبيرة في ظل افلات تام من العقاب.