الوضع الاجتماعي يهدد بالانفجار والمطلوب سياسة رشيدة لتجميع الشعب حول عقد اجتماعي جديد

كل المؤشرات الاقتصادية والمالية تبين بدون شك خطورة الوضع الذي تمر به البلاد. غير أن ما يجب التأكيد عليه اليوم هو أن الوضع الاجتماعي بات قنبلة موقوتة تنذر بالانفجار وتهدد الأمن والسلم القومي الوطني. هذا الوضع الخطير يستوجب اعتباره من طرف الدولة من أولوية الأولويات في البلاد. ذلك لأن الفقر التي ارتفع من 15,1 % سنة 2015 إلى % 20,2 سنة 2021 والفقر المُدقع الذي ارتفع من %2,9 إلى 6,9 % في نفس المدة والبطالة التي أصبحت في حدود % 18,4 في الثلاثي الثالث كمعدل نسبي عام في البلاد بينما يتراوح بين 22 % و 30 % في العديد من الجهات الداخلية في الثلاثي الثالث لسنة 2021 كما يتبين من الرسم التالي، وغلاء المعيشة حيث ارتفعت نسبة التضخم من جديد في حدود 6,3 % في شهر أكتوبر 2021 وهي كلها آفات اقتصادية اجتماعية تطال غالبية الشعب التونسي. حيث عرفت الطبقة المتوسطة تقلصا كبيرا في نسبتها كما كشفته دراسة أعدها المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية الذي أكد أنّ نسبة الطبقة الوسطى تراجعت في تونس من 70 في المائة عام 2010 إلى 55 في المائة عام 2015 ، لتصل في عام 2018 إلى حدود 50 في المائة. وبالتأكيد أن هذه النسبة تراجعت كثيرا في السنوات الأخيرة خاصة بعد اندلاع جائحة كورونا. إذا ما أضفنا على ذلك التدهور المتزايد في المرافق العمومية من صحة وتعليم ونقل في وضع شحت فيه إمكانيات الدولة المالية واستفحلت فيه ظاهرة الفساد والتهرب والتهريب كل ذلك في إطار الوضع السياسي المتأزم والمخنق لا يسعنا أن نقول إلا كان الله في عون هذا الشعب الصبور والمرهق والفاقد لكل بصيص أمل للخروج من هذا الكابوس. غير انه لابد من التذكير أن هناك تململ وارهاق تجلت مؤشراته منذ عقود عبر انتشار ظاهرة الهجرة السرية التي طالت عائلات بأكملها بما فيها الرضع والأطفال وهي علامة يأس خطيرة. كما تجلت عبر هجرة الأدمغة حيث تُصنّف تونس ثاني دول عربية بعد سوريا. لكن سوريا عرفت ويلات الحرب الأهلية وتكالب الدول الغربية وحلفائها عليها بينما شعب تونس يعاني من ويلات الفساد والإفساد السياسي الذي تولى السلطة منذ جانفي .2011 لقد تجلى الغضب الشعبي عبر انتفاضة الخوض المنجمي سنة 2008 وكان يؤشر إلى ثورة 17 ديسمبر 2010- جانفي 2011 التي رفعت شعار الشغل والحرية والكرامة الوطنية. خيبة الامل التي حصلت وتحصل إلى اليوم هي وقود لانفجار اجتماعي جديد لا ريب فيه. ويتجلى الغضب في اللجوء إلى الهجرة المنظمة التي أصبحت تستقطب العديد من العائلات التونسية وتطال فاقدي الشغل ومرافق الحياة ولكن كذلك تستقطب العديد من العائلات المترفة ماديا ولكنها أصبحت لا تتحمل تراجع مستوى الأداء العمومي أمام تريد مستوى الوضع البيئي والأمني والأخلاقي وتراجع أداء المرافق العمومية وفي مقدمتها البنية التحتية. ما جرى بعد الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2019 من استهتار واستخفاف بالشعب التونسي عمق إحساس الغالبية بأن تونس ماضية إلى المزيد من التراجع المفزع. لذلك اعتبر الكثير من التونسيين أن ما حدث يوم 25 جويلية 2021 يمكن أن يكون بداية خلاص وهو الذي كان يترقب كل بصيص أمل. غير أن بصيص الأمل يجب أن يكون مبني على ركائز وطنية ثابتة وواضحة تُجمّع الشعب التونسي حولها وتقطع الطريق أمام كل التدخلات الداخلية والخارجية التي تعمل ليلا نهارا لتثبيت الوضع القديم والمتجدد بعد الثورة بطريقة جشعة وبشعة داخليا وخارجيا. خاصة وأن الوضع الاقتصادي والمالي والاجتماعي بات سانحا لكل المناورات الهدامة. هذا الوضع لا يمكن التصدي إليه إلا في إطار سياسة ثابتة وهادئة ولكنها فاعلة وصارمة تعتمد تجميع غالبية الشعب حول ثوابت السيادة الوطنية في التنمية المستدامة ومقاومة الفساد الذي يجب أن يطال كل معتد على الملك العام بدون تشفي وبدون أي انتقائية حتى لا تفقد مشروعيتها. تونس في حاجة إلى عقد اجتماعي جديد يجمع الشعب التونسي حول سياسة تنموية وطنية من هذا المنطلق تبدو المعادلة الاجتماعية مُهمّشة وفاقدة لكل أولوية حيث يتم التركيز سياسيا وإعلاميا حول تعبئة الموارد المالية عبر القروض الخارجية لتغطية ميزانية الدولة سعيا لضمان خلاص خدمة الدين الخارجي وتثبيت التوريد المفرط والعشوائي خدمة لصالح الشركات العالمية وخاصة منها الأوروبية ولوكلائها في الداخل. بقدر ما نلاحظ جميعا أن هذه السياسة لا تُلفت أي عناية لموضوع التشغيل الذي يُرهق مئات الآلاف من شبابنا وعائلاتهم. بل الغريب العجيب أن الاتحاد الأوروبي وذراعه صندوق النقد الدولي يشترط عدم الانتداب في الوظيفة العمومية بدعاوى باطلة وفاقدة لكل منطق وموضوعية من نوع أن كتلة الأجور تُعتبر من أعلى الكتل في العالم بقياسها على ناتج داخلي إجمالي في حالة ركود وبعُملة وطنية فقدت قيمتها بنسبة 2,7 مقارنة باليورو بين 2002 و 2018 وإلى اليوم. أو بدعوى أن تونس لها عدد وظائف عمومية من أعلى النسب في العالم وهو كذلك ادعاء باطل لا يستقيم حيث ثبت أن المعيار المعتمد عالميا باحتساب عدد الموظفين العموميين لكل ألف مواطن يعتبر في تونس من أضعف النسب حيث لا يتعدى 55 موظف لكل ألف مواطن مقابل 89 موظف في فرنسا و 76 في ألمانيا وإلى 140 موظف لكل ألف ساكن في البلدان الإسكندنافية مثل الدانمارك والسويد. مغالطات تستخف بالشعب التونسي يُسوّق لها سياسيا وإعلاميا في الداخل بكل صلافة. اعتصام الدكاترة النوابغ على مدى يناهز السنتين في ظروف صعبة للغاية واحتجاج واعتصام أصحاب الشهادات الجامعية للمطالبة بحقهم في شغل يمكنهم من تقديم مساهمتهم العالية في بناء تونس الغد وعجز الحكومات المتتالية على تمكينهم بحقهم المُكتسب دستوريا وأخلاقيا يعتبر أكبر دليل على عجز المنوال التنموي في أداء دوره الاجتماعي الأساسي في تشغيل أبنائه. عدم تقديم الدواء للمرضى وخاصة منها الامراض المزمنة المُكلفة للعائلات ضعيفة الدخل في دولة تستورد سنويا عشرات الآلاف من السيارات وتصرف المليارات من الدنانير في توريد الكماليات بالديون الخارجية وهي في حالة إفلاس لا جدال فيه وهي بذلك تساهم في إغلاق مؤسساتها المنتجة وتجرها للإفلاس لتساهم في ارتفاع نسبة البطالة يُعتبر استهتارا واستخفافا وهو دليل أن هذه الدولة فقدت مشروعيتها لأنها أصبحت في ايادي مافيا مترنحة لأنها متحكمة في كل مفاصلها الوزارية والإدارية. هذه السياسة تدل بوضوح أن العقد الاجتماعي الذي كان يكفل أدنى الحدود من الحقوق في العيش الكريم وعبر شغل يضمن الكرامة قد تداعى نهائيا ويُنذر بانفجار قريب وخطير. إن اليأس والإحباط الذي يُحزن كل عاطل عن العمل وكل محتاج وكل بائس فقير أنهكه غلاء المعيشة واستشاطة فواتير الكهرباء والغاز والماء يعتبر وقود هذا الانفجار. لذلك ولكل هذه الأسباب نعتبر أن الرجوع إلى مربع صندوق النقد الدولي المدفوع من طرف الاتحاد الأوروبي خطوة لا تقطع مع المنوال السابق ولا تبني لعقد اجتماعي يجمع كل التونسيين حول مخطط تنموي يحقق السيادة الوطنية قولا وفعلا. إذا ما أضفنا اليوم أن الدين الخارجي أصبح لا يمكن تحمله وأن البلاد تتوجه نحو ضرورة المطالبة بجدولة الديون الخارجية أجلا أو بالأحرى عاجلا فإن مراجعة هذا التمشي تصبح ضرورة قصوى للتدارك



إرسال تعليق

أحدث أقدم
تصميم وتطوير - دروس تيك